ميشال الزبيدي 

ميشال الزبيدي – سيدر نيوز

كنت منشغلاً عندما سمعت المذيعة التي تقدم برنامج عن العظماء، تطري بكلام جميل على أحدهم، لم تترك كلمة أنيقة من اللغة العربية، الا وسكبتها على الضيف، ثم استعارت كلمات المديح من لغة الام الحنون وكانت قد زيّنت مقدمتها من كنوز الأدب الإنكليزي بعبارات قيلت لملوك القرن الثامن عشر، وآخر كلماتها للضيف كانت: “يعطيك العافية عن تتعب”.

غلبتني الحشريّة، قررت الإلتفات الى الشاشة لأرى من هو هذا المناضل الذي يبدو انه حرر الجنوب أو طرد جيش الأسد، ربما هو كاتب، فيلسوف او مخترع، هذا الرجل هو واحد من العظماء.. لا شك في ذلك…

إلتفت الى التلفاز الذي أطاح بزيارات الجيران والأقارب ليفرض فخامته وطلته البهيّة الملوّنة، فيه تطلعت فرأيت على شاشته ضيفاً “وزوزاً” بلغة الشارع، وبلغتنا، أصفه ب”رجل يشبه الرجال” يسمّي نفسه مطرباً، وأنا لا اسمّيه حتى مغنّياً، إنما شخص يحاول الغناء، لأنه لو قُطعت عنه آلات الموسيقى وأجهزة الصوت، لأصبح صوته أشبه بالصراخ والنعيق، ولو سمعه الرحباني العتيق لكان إرتكب جريمة، ليخلّص الفن اللبناني من هذا الرجل الذي تشكره المذيعة على تعبه وتضحياته، هو الذي يقضي وقته بين البحر والجبل، عنده السائق السوري، الطباخ الفرنسي، المدلّكة الفيليبينية، المدلّلة الروسية، وكل ما لذّ وطاب من النساء.

هكذا، فماله الذي يجنيه من بلاد الأرز يطير على أجنحة الارز في جيوب الغرباء الى دول غريبة، وحتى يتأكّد مطربنا من عدم الوقوع في فضيلة الوطنيّة، فهو يصوّر “فيديو كليباته” في تركيا واليونان وإيطاليا، لانه ليس في لبنان من أماكن تصوير تليق به.

غيّرت المحطة، يا لها من مصيبة، البطلة هذه المرّة، بصّارة برّاجة تشبه البطّة، تُخبر الفاشلين عن نجاح والعوانس عن عرسان أمراء.

قررت التوجّه الى فضائية، فكانت لي نقلة، من المصائب الى الكوارث، مسلسلات رمضانية مقتبسة، مسروقة، فوضويّة، مرائيّة، كاذبة وأكبر كذبة فيها، استبدال الممثلين اللبنانيين “قليلٌ من الخمر يُفرح قلب الانسان”، بكوب من عصير البرتقال المصنّع.

وحتى لا أدخل في متاهات الشركات والسوق وتغيير الأسماء من اسم قديس الى اسم يليق بالبوادي، أعود الى بطلي الأول، اذاً عن المطرب الفاشل أتكلّم، من نلوم؟ نلومه هو؟ لا، فهو مريض وطالب شهرة، نلوم الناس؟ لا، هذا ما يعرض عليهم… نلوم اولاً وأخيراً المؤسسات الإعلامية التي تضع المال قبل الذوق العام وقبل الفن الأصيل. ولو كنت وزيراً للإعلام او للثقافة، لوضعته في السجن لخدشه الذوق العام، هذا الذي يقبض ألوف الدولارات لإحياء سهرة واحدة، فيما أكبر شاعر، أكبر أديب او ممثل قدير في لبنان لن يتمكن من جني هذا المبلغ بعشرات السنين.
أمّا لو انّ صاحبنا الفاشل كان قد وُلِدَ في “جبل لبنان” منذ مئة عام، لكانت قضبان الرمّان علّمت على سيقانه البيضاء من رجال ذلك الزمان الأميّين البسطاء الحكماء…

انه الانحدار والآتي اعظم…

عَظيمٌ.. وبِئسَ العُظماء..
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com