أنطوان أبي سلوم منزل أنطوان أبي سلوم


المسيرة- إيفا حنا
أحد عشر عاماً مرت على خروج جيش النظام السوري من لبنان، وإنهاء إكثر من ثلاثين عاماً من الاحتلال…

أحد عشر عاماً لم ولن تنسينا حجم الأسى والألم والحقد الذي عايشه أبناء القرى “المحتلة”…
اليوم، بعد تلك الأعوام لا تزال الذكريات قابعة في خبايا بيوت عاشت وعايشت لحظات الحقد والغضب، وحفرت في زواياها صرخات الألم والأنين، وهزّ حجارتها عنفوان رجال أبوا أن يستسلموا ويركعوا أمام الجلاد… فتحملوا الألم وبإيمانهم انتصروا…
من منازل احتلوها وحولوها الى معتقلات ومراكز عسكرية نستعيد أخبار المعاناة، وتحديداً من منزل أنطوان أبي سلوم في كفرعبيدا، الذي تحول على مدى 27 عاماً الى مركز قيادة المخابرات في الشمال ننطلق….
أبي سلوم: أوقفت بسبب متأخرات هاتف قيمتها 28 مليون ليرة لبنانية
بغصة يروي أنطوان أبي سلوم: “استلمنا خربة وليس بيتاً، لا سقف ولا حيطان ولا أبواب ولا شبابيك، وفواتير متأخرة… سوينا قضية الماء والكهرباء، وبقيت قضية الهاتف، حيث تقدمت الدولة بشكوى ضدي منذ ثمانية أعوام بسبب متأخرات قيمتها 28 مليون ليرة لبنانية وصدر أمر من النيابة العامة بتوقيفي الى حين دفع الأموال. عندها تدخّل المختار وأحضر شاهدين ليؤكد أنني لم أكن موجوداً طيلة هذه الأعوام، فأرسلوا تقريراً الى النيابة العامة ولا أزال حتى الساعة أنتظر الجواب.
أبي سلوم، الذي حاول جاهداً استعادة منزله من دون جدوى، بات التعذيب الذي كان يمارس في بيته هاجساً بالنسبة إليه، يرى كوابيس ويسمع صراخ أشخاص يتعذبون ويضربون، مع أنه لم ير شيئاً ولم يكن في البلدة أصلاً. فكأن ذكريات ما كان يجري داخل جدران هذا البيت لا تزال قابعة وترفض أن تحرر الذاكرة…
عن لحظات استعادة المنزل أكد أبي سلوم أن السوريين غادروه على عجل، بدليل أنهم تركوا مائدة الطعام التي افترشوها بالدجاج المشوي والخضار، وداخل المطبخ كان المشهد أكثر تعبيراً، كراتين البيض والخضار، وعلب الهدايا والكاتو… لكن ساعة الصفر دقت، لا بل ساعة الذل والانكسار، فرحلوا تاركين كل شيء حتى حثالتهم.
أنطوان أبي سلوم كان في بلجيكا قبيل اندلاع الحرب، لكنه فضل العودة على اصطحاب عائلته الى هناك، عاد ليكون مع أهله وليدافع عن أرضه فخاض معارك كبيرة، أهمها زرع المقاومة في قلب أولاده الذين أصروا على الاستمرار في المقاومة فرفضوا العيش بعيداً من بلدتهم، ويوم اندحر السوري، كانوا واقفين بعيداً وشهدوا على أفوله.
عند استعادة المنزل بعد نحو 25 عاماً، تولى أبي سلوم تنظيفه ورمي كل أدوات التعذيب من دواليب وعصي وكرابيج… في الوادي، كأنه كان يحاول التخلص من آثار تلك المرحلة الموغلة بالأوجاع.
حالياً، العائلة تسكن في الطابق العلوي، لكنها احتفظت في الطابق السفلي ببعض الآثار القديمة، أما “سجن الدرج” الذي كان يوضع فيه 12 شخصاً فلا يزال شاهداً على قسوة تلك الأيام… وزرع جدران المنزل بصليب المقاومة اللبنانية…
أيوب: زيارات يومية….
هذا المعتقل، الذي استعمله المحتل مركزاً للتعذيب، يحتوي على الكثير من القصص، وكثر كانوا هم أبطاله بسبب انتمائهم الى “القوات اللبنانية”… ورمزي أيوب ابن بلدة حامات البترونية كان أحدهم…
رمزي، الذي انطبع هذا المنزل في يومياته لثلاث سنوات متعاقبة من دون ان تثنيه ضربة الجلاد او تدفعه الى الوراء، يتحدث عن البداية، فالاعتقال الأول كان عام 1984 حيث تم توقيفه لـ 3 أيام بتهمة توزيع بطاقات وبيانات…
يومها أراه الضابط دولاب سيارة ميني كوبر وسأله: ما رأيك بهذا الدولاب؟ فأجاب: “بيجنن شو بدي فيه؟” فقال سأضعك داخله، فقال رمزي: “جدي نخلة لا يستطيع ان يدخل فيه” (وكان جده قصير القامة) ويضيف رمزي (الذي يبلغ طوله 190 سنتمتراً: “عصروني عصر وأدخلوني إليه ودخلت بعدها 3 أيام الى المستشفى لأن أضلاعي تحطمت ولم أعد أقوى على التنفس”.
لكن الرحلة الحقيقية مع العذاب لم تبدأ يومها، بل تأخرت حتى عام 1998. ويروي أنه “في ذلك العام، وبعد اعتقال الدكتور سمير جعجع كنت مع الشباب نسعى من خلال نشاطات صغيرة لإبقاء قضية “القوات” موجودة، ثم جاءت الانتخابات البلدية وطلب منا أن نثبت وجودنا في منطقة البترون، فخضنا الانتخابات وأثبتنا وجودنا وحيثيتنا على الأرض، عندها بدأ الضغط…”.

في حزيران طُلب من أيوب الحضور الى مركز مخابرات كفرعبيدا لكنه لم يأتِ وبقي فاراً. وبتاريخ 6 آب وفيما كان عائداً مع عائلته عن طريق البحر انتظروه وأقاموا كميناً في منطقة حنوش القريبة من بلدة حامات. وأوقفوه واقتادوه مع عائلته الى ذلك المركز حيث استمروا بضربه أمام زوجته وأولاده في محاولة للضغط عليه، بتهمة زيارة ستريدا جعجع في كانون الثاني الى حامات لتقديم واجب العزاء، وإقامة استقبال حاشد لها في منزل رمزي.
ويروي: “جربنا الدولاب والكرسي والكهرباء والضرب لساعات وساعات. لم يكتفوا بضربه وحده. فقد ركلوا زوجته على بطنها، وعندما رموه أرضاً وضع الضابط قدمه على عنقه قائلاً: “عم تكبر راس علينا؟” وصار يلبطه على بطنه، ركضت ابنته وكان عمرها 3 سنوات وتعلقت بالمايوه الذي كان يرتديه، فركلها وأبعدها نحو ثلاثة أمتار. ابنته البالغة اليوم 21 عاماً لم تنسَ ولا تزال هذه الحادثة مزروعة في ذاكرتها.
ويضيف رمزي: “بعد ذلك حولوني الى مفرزة المخابرات في مدرسة الأميركان في طرابلس. هناك اعتقلت نحو 4 أيام ثم أطلقوا سراحي. ومنذ ذلك اليوم وحتى العام 2001 بدأت الجلجة والزيارات اليومية الى كفرعبيدا، فكنت أصل نحو العاشرة، وأغادر نحو الرابعة، والتهمة واحدة: “ناشط في “القوات” وستريدا إجت لعندك عالبيت.”
عن قسوة التحقيق، وإضافة الى الضرب الذي لا يوصف، يخبر رمزي أنه من كثرة الكلام كان يشعر بالعطش الشديد فيطلب القليل من الماء، فكانوا يحضرون كوباً من “البول”.
مع ذلك لم ينكر يوماً أنه ينتمي الى “القوات اللبنانية”. عاش لحظات يأس وخوف، حتى انه من شدة الضغط واليأس ذهب في إحدى المرات الى مكتب المخابرات اللبنانية وقال للضابط “أنا قتلت رجلاً وجئت أسلم نفسي أسجنّي أنت لكن لا أريد الذهاب الى كفرعبيدا”، فأجاب الضابط “حل مشكلتك بكفرعبيدا ثم عد الى هنا”. “هذه لا أنساها بحياتي” يقول رمزي.
لحظات الانتصار على المحتل السوري لا يزال يتذكرها رمزي وكأنها في الأمس. كنت برفقة النائب أنطوان زهرا حيث كنا نحضر للانتخابات النيابية، فصعدنا الى حامات بعد ان تواصلنا مع الشباب، وعند نحو الساعة الرابعة تم وضع حجر تذكاري كتب عليه تاريخ الانسحاب، وقد تم ذلك بحضور وفد من “التيار الوطني الحر” يتقدمه الوزير جبران باسيل.
سلوم: أنا شاهد على معاناة رمزي…
تكثر أخبار الجيران الذين عانوا أعواماً طويلة من القلق، بسبب أصوات الصراخ والألم التي تحولت الى رفيقة الأيام والليالي.
يخبر شادي سلوم، وهو ناشط في “القوات اللبنانية” ومقيم بجانب المركز: “أنا شاهد على معاناة رمزي الذي تعرفت إليه قبل ثلاثة أشهر من مسير الجلجلة. رأيته يمر من أمام منزلي بسيارته من نوع “ب. أم. ف” 2002 البرتقالية، حييته فلم يرد، تفاجأت ثم رأيته يتوقف قرب المركز ويترجل من السيارة، وكان هناك عنصر سوري ينتظره على الطريق، وما ان ترجل رمزي من السيارة حتى بادره بصفعة على وجهه فبصق رمزي بوجهه، أنا رأيته بعيني. ثم انهال عليه العنصر السوري بالضرب واستمر حوالى 3 ساعات، صعدت واختبأت وراء الخزان على سطح المنزل لأراقب كل حركة، لم أره لكنني كنت أسمع الصراخ. وعندما أخبرت أبي أنه لم يرد التحية قال إنه لم يكن يريد توريطي. يومها لم أكن أعرف خطورة مثل هذا الأمر وعواقبه”.
على الرغم من الذكريات الكثيرة التي انطبعت في وجدان شادي بقيت قصة رمزي أكثرها التصاقاً في ذاكرته لأنها حصلت أمام عينيه وكانت المرة الأولى التي يشهد خلالها على هكذا أحداث، إلا أنها لم تكن الوحيدة التي راقبها، فليالٍ كثيرة كان يستفيق على الأصوات فيركض الى السطح علّه يعرف أو يلمح أحداً من الشباب، ويعرف هويته.
هذه الأحداث التي طبعت شباب شادي الذي كان يبلغ يومها 16 عاماً جعلته أكثر تعلقاً بالقضية، وأكثر تصميماً على ضرورة المقاومة وإخراج المحتل السوري من لبنان.
صهيون: ما حصل لا يحتمل ولا يصدق
أساليب التعذيب في مركز مخابرات كفرعبيدا، يستعيدها رئيس بلديتها آنذاك طنوس صهيون، الذي أكد أن ما حصل لا يحتمل ولا يصدق. وقد ساعده موقعه كرئيس للبلدية في فتح قنوات مع المخابرات السورية بهدف خدمة أبناء بلدته وحماية عائلته. ويقول صهيون: “كنت شاهدًا على محطات وجع كثيرة. كان يوجد شخص ينقل لهم الأخبار، وعندما أصل كانوا يخبئونه في الغرفة الثانية حتى لا أراه لكنني كنت أعرف دائما أنه في الداخل”. ويضيف صهيون أنهم كانوا يتدخلون بأمور لا دخل لهم بها، فإذا اختلف رجل مع زوجته أوقفوه، إذا اختلف رجل مع جاره يطلبونه”.
أما عن طريقة كسبه ثقتهم فيقول بثقة: “تصرفت بذكاء وتمكنت من كسب ثقتهم، كنت أقول لهم أنا رئيس بلدية ورئيس البلدية في بلدته كرئيس الجمهورية في بلده”.
ويخبر صهيون أنهم كانوا يمنعونه من مغادرة المركز ويجبرونه على مشاهدتهم وهم يضربون المعتقلين ويطلبون منه أن يخبر الشباب بما يحصل.
يروي صهيون: في إحدى المرات ذهبت الى المركز صدفة، وكانوا قد أوقفوا فتاة عمرها حوالى 18 عامًا، من الكورة كانت واقفة بمحاذاة الحائط وآثار الضرب ظاهرة على وجهها وعنقها، ما ان رأتني حتى ركضت نحوي وتمسكت بعنقي صارخة: “دخلك ما إلي غيرك”، فنهرها العسكري السوري قائلا: “عودي الى الحائط”، لكنها لم رفضت الانصياع وبقيت ممسكة بي.
قلت له: ما تهمتها هذه الفتاة؟ فأجاب أنها تنقل أخبارًا الى “القوات”. أنا كنت أعرف نفسيتهم، فقلت له: هذه الفتاة أنا أريدها أن تذهب معي، وأنت انزل اذهب واشتري survetement على حسابي. فطلبني على جنب، وسألني: هل تعرفها من قبل؟ فقلت: لا، لكن يبدو لي أنها مظلومة. سلمني إياها فأوصلتها الى شكا وأرسلتها الى بيتها بالتاكسي.
ويضيف صهيون أنهم في إحدى المرات أوقفوا رجلا من الطائفة الشيعية، لأنهم ضبطوا معه في السيارة صورة لزوجة الرئيس الشهيد بشير الجميل، ضربوه ضرباً لا يوصف، ولم أستطع إنقاذه من الدولاب.
وفي إحدى الليالي، اتصلت بي امرأة كانت قرب مركز المخابرات، وقالت لي: “إذا كان لديك ذرة شفقة تعال بسرعة”، فلبست وركضت على رغم تقدم ساعات الليل واكتشفت أنهم قبضوا على مجموعة قواتيين من مشمش مع كامل عتادهم العسكري كانوا يستقلون سيارة وأخطأوا في الوجهة.
أحد الشباب كان لديه قضبان فضة في ساقيه لأنه كان قد تعرض لحادث ولم يكن قادراً على الاحتمال فتوسطت لإنزاله من الدولاب”. ويخبر صهيون أن الضابط استجاب لطلبه ووعد بالتوقف عن ضربهم، لكنه قال إن الأمر لم يعد بيده، لأنه مضطر لإرسالهم الى عنجر. ولاحقاً عندما اقام إيلي حبيقة علاقات مع السوريين، سلموه عددًا من المعتقلين وكان هؤلاء من بينهم.

11 عاماً على انسحاب الجيش السوري: روايات التعذيب في مفرزة كفرعبيدا – المسيرة
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com